الشيخ علي المشكيني
115
رسائل قرآنى
ولعلّ عطف قوله وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ الذي هو كناية عن الإدراك والتعقّل ، عطف تفسيري يفسّر معنى نفخ الروح ، ويمكن أن يكون نفخ الروح بمعنى إعطائه العقل ، وقوله « جعل » إشارة إلى بيان إعطائه العلم . وبالجملة : مضمون الآية يناسب هذا القول ، وأمّا القول الأوّل فاللازم عليه حمل الإنسان على آدم ، وجعل قوله : « ثمّ سوّاه » بمعنى صوّره بصورة الإنسان ، مع أنّ الفصل ب « ثمّ » بين الخلق والتسوية غير ملائم ، كما أنّه لا يلائم أيضاً تقديم قوله وجَعَلَ نَسْلَهُ . ومنها : قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ « 1 » . والآية يحتمل الانطباق على القولين ، فإنّ معنى الصلصال المتغيّر من اللحم والطين وغيرهما ، أو هو بقيّة الماء ، أو هو الشيء اليابس الذي يصوّت ، ومنه سمّى الطين اليابس الجافّ صلصالًا . والحمأ . الطين الأسود المنتن . والمسنون أصله السائل الجاري ، ويطلق على المنتن أيضاً . وبالجملة : حمل الآية الشريفة صاحب كلّ قول على مذهبه ، لكن يؤيّد القول الثاني أنّ حمل الإنسان على خصوص آدم خلاف ظاهره ، وأنّ لها ظهوراً في طروّ حالات ثلاث على الإنسان : الخلق ، والتسوية ، والنفخ . وهي مبنى القول الثاني . ثمّ إنّ ظاهر الآية كون خطاب اللَّه للملائكة قبل أن يشرع في خلق الإنسان ، وسيجيء الاستظهار من بعض آيات الباب أنّه كان بعد خلق الإنسان ، بل وبعد خلق آدم وحوّاء قبل تعليمهم الاستمالة ، فراجع . ومنها : قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَاالْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ « 2 » .
--> ( 1 ) . الحجر ( 15 ) : 26 - 29 . ( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 12 - 14 .